«صفقة القرن»: تصفية #القضية_الفلسطينية

Image

لم تأخذ «صفقة القرن» شكلها النهائي بعد. ولم تنضج كافة تفاصيلها. فما سُرّب ونسب إلى عهد الرئيس المصري حسني مبارك، فتح الاحتمالات على تسويةٍ نهائيّةٍ تشمل توسّعاً فلسطينياً نحو سيناء المصرية (المحاذية لقطاع غزّة)، مقابل منطقة صناعية ــ اقتصادية تؤمنها «إسرائيل» لصالح مصر. فيما يتم اقتطاع أجزاء من الضفة لضمان بقاء المستوطنات ونطاق حمايتها. أما النسخة الجديدة فاقتصرت على اقتسام الأراضي الواقعة تحت السيطرة الفلسطينية، دون القدس، وتأجيل البحث بشأنها وعودة اللاجئين، أو ما سُمّي «قضايا الوضع النهائي».
في عام 2010، قدّم مستشار «الأمن القومي الإسرائيلي» السابق غيورا أيلاند، حلولاً لتسوية القضية الفلسطينية، وترتكز على: 
1- فدرالية أردنية ــ فلسطينية: من خلال إعادة تأسيس الدولة الأردنية على شكل ثلاثة ولايات (الضفة الشرقية، والضفة الغربية، وقطاع غزة).
2- تبادل المناطق: بعد أن تتنازل مصر عن 720 كيلومتر مربع من أراضي سيناء لصالح الدولة الفلسطينية المستقبلية، إضافةً إلى مستطيل يمتد من رفح حتى حدود مدينة العريش المصرية (طوله 24 كلم، وعرضه 30 كلم)؛ وهو يوازي 12% من مساحة الضفة الغربية، والتي يطالب الطرف «الإسرائيلي» بضمها إليه في الترتيبات النهائية.


3- أما مصر، فستحصل على أراضٍ في جنوب النقب من «إسرائيل» (فلسطين المحتلة 1948)، تعادل المساحة نفسها في منطقة وادي فيران، وسيُسمح لمصر بشقّ نفق طوله عشرة كيلومترات يربط بينها وبين الأردن، بحيث يكون تحت السيادة المصرية. كما سيُسمح لمصر أيضاً بمدّ خطّ سككٍ حديدية، وطريقٍ سريع، وأنبوب نفط تعود عائداته الضريبية إليها، إضافةً إلى دعمٍ اقتصادي دولي. 
ووفق هذا المشروع، سيتوسع الفلسطينيون سكانياً في مناطق سيناء التي ستُضمُّ إلى غزة، وسيُسمح لهم ببناء مطار دولي وميناء. وسيستفيد الأردن من المشروع عبر ميناء غزة (على البحر المتوسط) لإيصال البضائع الأوروبية إلى بلدان الخليج العربي والعراق، وستتاح له إعادة سبعين ألفاً من أبناء غزة المقيمين عنده إلى «القطاع الموسّع». وستضم «إسرائيل» كل مستوطنات الضفة الغربية، وما وراء الجدار العنصري العازل.
أما النسخة الجديدة (تعتبر أكثر رسمية، ولكنها غير نهائية)، فقد صادق عليها أمين سرّ «اللجنة التنفيذية» لـ«منظمة التحرير الفلسطينية» صائب عريقات، في تقرير رفعه الى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، قبيل انعقاد «المجلس المركزي». واعتبر عريقات الخطة في تقريره أنها «مرحلة فرض الإملاءات الأميركية»، موضحاً أن التوصيات الواردة فيه «لا تمثّل إجماع أعضاء اللجنة السياسية، لوجود تحفّظاتٍ وآراء مختلفة حول عدد من التوصيات».
ووفق ما ورد في تقرير عريقات، فإن بنود «صفقة القرن» تتلخص في:
1- الاعتراف بالقدس عاصمة لـ«إسرائيل»، ونقل سفارتها إليها.
2- اعتراف دول العالم بـ«إسرائيل»، كوطنٍ قومي للشعب اليهودي.
3- اعتراف دول العالم بدولة فلسطين، كوطنٍ قومي للشعب الفلسطيني.
4- الخروج بحلٍّ عادل لـ«قضية اللاجئين من خلال دولة فلسطين».
5- ستُنشئ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عاصمة لدولة فلسطين في ضواحي القدس (خارج إطار الكيلومترات الأربعة) عام 1967، وقد رُجّح أن تكون «أبو ديس».
6- الإعلان خلال شهرين أو ثلاثة ــ على أبعد تقدير ــ عن موافقة إدارة ترامب على ضمّ الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية، على أن يطرح رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو، ضمّ 15%، بينما يقترح ترامب 10%.


7- بعد ذلك، تطرح إدارة ترامب مفهوماً أمنيّاً مُشتركاً بين «إسرائيل» ودولة فلسطين، كشركاءٍ في السلام، ويشمل: دولة فلسطين منزوعة السلاح مع قوّة قويّة من الشرطة، في وقتٍ تتواجد فيه «القوات الإسرائيلية» على طول نهر الأردن والجبال الوسطى، وذلك لحماية الدولتين، على أن تُبقي «إسرائيل» بيدها على الصلاحيات الأمنية القصوى في حالات الطوارئ.
8- ضمان «إسرائيل» ضمان حرية العبادة في الأماكن المقدسة للجميع، مع الإبقاء على الوضع القائم.
9- تخصيص أجزاء من ميناءي أسدود وحيفا، ومطار اللد للاستخدام الفلسطيني، على أن تكون الصلاحيات الأمنية بيد «إسرائيل».
10- توفير ممرّ آمن بين الضفة وقطاع غزة، تحت السيادة «الإسرائيلية».
11- ستكون المعابر الدولية بمشاركةٍ فلسطينية فاعلة، أما صلاحيات الأمن القصوى فبيد «إسرائيل».
12- تسيطر «إسرائيل» على المياه الإقليمية، والأجواء، والموجات الكهرومغناطيسية، دون أن تجحف بحاجات دولة فلسطين.
13- الإبقاء على عبارة «الحدود النهائية» و«قضايا الوضع الدائم»، على أن يتمّ الاتفاق عليها بين الجانبين ضمن جدول زمني محدد ومتفق عليه.
أما البند الأخير، والذي كشفه عريقات فقد علّق عليه بالقول «كان علينا عدم انتظار قيام أميركا بطرح معالم ومضمون هذه الصفقة التصفوية الإملائية، والتي تُبقي الوضع القائم على ما هو عليه، والذي يعني دولة واحدة بنظامين، أي تشريع الأبرتهايد (نظام الفصل العنصري) والاستيطان بمعايير أميركية، من خلال حكم ذاتي أبدي».

وفي هذا السياق، كان لافتاً ما نقلته «القناة العبرية العاشرة»، في اليومين الماضيين، عن مسؤول رفيع المستوى في إدارة ترامب، أن كبير مستشاري الرئيس وصهره، جاريد كوشنر، سيزور كيان العدو خلال الأسبوع المقبل، برفقة مبعوث الرئيس الأميركي الخاص لعملية التسوية في الشرق الأوسط جيسون غرينبلات، وذلك ضمن جولة إقليمية تتضمن كُلّاً من مصر والسعودية، لمناقشة التوقيت المحتمل لعرض الرؤية الأميركية لـ«صفقة القرن»، وبحث الأزمة في قطاع غزة.
ولفت المسؤول إلى أن كوشنر وغرينبلات كانا مهتمين بـ«الحصول على أفكار من مختلف الجهات الإقليمية حول الأسئلة التي ظلت مفتوحة في خطة البيت الأبيض للسلام»، مضيفاً أن «الإدارة تريد الإعلان عن خطة ترامب عندما تكون الظروف مؤاتية، وعندما يحين الوقت المناسب». 
وفيما يكثر الحديث ــ هذه الأيام ــ عن «صفقة القرن»، والجاهزية لتنفيذها بعد إتمام كافة مقدّماتها، إلاّ أنّ الإدارة الأميركية لم تقدم - حتى الآن- أي تصوّرٍ واضح ومعلن عن هذه الصفقة. فالتسريبات عنها أقربُ إلى «بالونات اختبار» لاستكشاف ردود الفعل المحتملة، وتجهيز الإجراءات المناسبة للتعامل معها. والمنطقة ليست أمام صفقة تاريخية تقدّم حلولاً ناجعة أو مقبولة لأطراف الصراع مع العدو الصهيوني، إنما أمام محاولة جديدة لتصفية قضية فلسطين، وهي بالتالي ليست صفقة بين طرفين، بل هي تعبير عن غطرسة القوة الأميركية الإسرائيلية، ومحاولة لفرض إرادة الاحتلال الصهيوني وشروطه وتصوراته لإغلاق الملف الفلسطيني، وأياً تكن طبيعة التفصيلات الصغيرة، فإن هذا النوع من «الصفقات» مهما جرى تزويق عناوينه، فإن مصيره إلى مزبلة التاريخ، وليس إلى صناعة مفاصله وتوجيه مساراته. كذلك، فإن قادة المشروع الصهيوني يرون الوقت الحالي الأنسب لفرض رؤيتهم للتسوية السلمية، فهناك ضعف وانقسام فلسطيني، وتشرذم وترهل عربي وإسلامي، وأنظمة فاسدة مستبدة، والبيئة الإستراتيجية المحيطة بفلسطين تنهكها الصراعات والنزاعات، وتجري فيها محاولات توجيه بوصلة الصراع بعيداً عن العدو.
أما التقديرات، فتشير إلى أن هذه «الصفقة» لن تمر. فلا يوجد فلسطيني حتى من التيّار الداعم للتسوية يقبل بصفقة كهذه، فيما الحد الأعلى الإسرائيلي لا يصل إلى الحد الأدنى الذي يمكن أن يوافق عليه أي فلسطيني. وما دام الشعب هو الجهة المعنية أساساً فلن يستطيع الصهاينة والأميركيين فرض إرادتهم عليه. إنّ قضية فلسطين ــ ببعدها العربي وبُعدها الإسلامي ــ لا يمكن تصفيتها، وستجد دائماً من يدافع عنها، ويقاتل في سبيلها ويفشل مخططات تصفيتها.